آخر الأخبار

الابتهال

الابتهال

بقلم / محمد سعيد أبوالنصر
المسلم يتعلق بربّه في قضاء حوائجه ويسأله ويلح عليه في السؤال ويلتجأ إليه في الكرب والضّيق وعند شدّة البأس.ودعاء الله يكون في كلّ الأحوال، والابتهال غالبا ما يكون وقت الشّدّة. والابتهال يفرّج الكرب ويزيح الغمّة.
وهو مجلبة لنصر الله ووسيلة لدحر العدوّ، ويكون الابتهال للنّفس وللغير ويستحبّ أن يسبقه وضوء،والابتهال إليه سبحانه تعقبه الإجابة السّريعة من الله- عزّ وجلّ- على وِفْق مراد الله- عزّ وجلّ-.
فما هو الابتهال ؟
الابتهال لغة: جنس من الدّعاء، وقد أخذ الابتهال من البهل، والبهل والابتهال في الدّعاء ..الاسترسال فيه والتّضرّع ، والبهل: اللّعن،. وفي حديث أبي بكر: «من ولي من أمور النّاس شيئا فلم يعطهم كتاب الله فعليه بهلة الله» أي لعنة الله.
والابتهال: الاجتهاد في الدّعاء وإخلاصه لله عزّ وجلّ- وفي التّنزيل العزيز: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ} (آل عمران/ 61) أي يخلص ويجتهد كلّ منّا في الدّعاء واللّعن على الكاذب منّا.
والمبتهل: معناه في كلام العرب المسبّح الذّاكر لله، وقال قوم: المبتهل الدّاعي.
واصطلاحا:
الابتهال أن تمدّ يديك إلى الله بالدّعاء مخلصا متضرّعا مبالغا في السّؤال »
قال ابن الأثير- رحمه الله: «الابتهال:التّضرّع والمبالغة في المسألة»
إن دعاء الله سبحانه والالتجاء إليه شأن المؤمنين به سبحانه ،والمتقربين إليه ،وسوف أعرض لك من أمثلة دعائه والابتهال إليه ما يدعوك للتقرب إليه وسؤاله في كل حين .
الأنبياء يبتهلون إلى الله .
1-ابتهال نبي الله إبراهيم .
عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّه قال: أوّل ما اتّخذ النّساء المنطق -المنطق: بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء هو ما يشدّ به الوسط.- من قبل أمّ إسماعيل، اتّخذت منطقا لتعفّي أثرها على سارة، ثمّ جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل- وهي ترضعه- حتّى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكّة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثمّ قفّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أمّ إسماعيل فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الّذي ليس فيه إنس ولا شيء؟، فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له:
آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا» ثمّ رجعت. فانطلق إبراهيم حتّى إذا كان عند الثّنيّة حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثمّ دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ.. حتّى بلغ يَشْكُرُونَ.. الحديث)
2-ابتهال نبي الله محمد.
كان رسول الله يدعو ربه في اليسر والعسر وهذه نماذج من ابتهاله لربه .
4- ابتهاله عند هلاك الأموال وانقطاع السبل .
عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنّ رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائما، ثمّ قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السّبل فادع الله يغثنا
وقوله (هلكت الأموال): المراد بالأموال هنا، المواشي، خصوصا الإبل، وهلاكها من قلة الأقوات بسبب عدم المطر والنبات.
وقوله (وانقطعت السبل): أي الطرق فلم تسلكها الإبل، إما لخوف الهلاك، أو الضعف بسبب قلة الكلأ أو عدمه.
وقوله (فادع الله يغثنا) أي يعنا وينزل علينا المطر.
“قال: فرفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يديه، ثمّ قال: «اللهمّ أغثنا، اللهم أغثنا، اللهمّ أغثنا» . قال أنس: ولا والله ما نرى في السّماء من سحاب ولا قزعة (-القزعة: هي القطعة من السحاب).وما بيننا وبين سلع (سلع: هو جبل بقرب المدينة، ) من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التّرس (الترس هو ما يتقى به السيف، ووجه الشبه الاستدارة والكثافة لا القدر) ، فلمّا توسّطت السّماء انتشرت، ثمّ أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشّمس سبتا (سبتا: أي قطعة من الزمان، وأصل السبت القطع.) . قال: ثمّ دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائم يخطب. فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السّبل(هلكت الأموال وانقطعت السبل: هلاك الأموال وانقطاع السبل هذه المرة، من كثرة الأمطار، لتعذر الرعي والسلوك لكثرة المياه والطين) ، فادع الله يمسكها عنّا. قال: فرفع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يديه، ثمّ قال «اللهمّ حولنا أو حوالينا ، ولا علينا، اللهمّ على الآكام ( قال النووي: قال أهل اللغة: الإكام، بكسر الهمزة، جمع أكمة، ويقال في جمعها: آكام، ويقال: أكم وأكم، وهي دون الجبل، وأعلى من الرابية، وقيل: دون الرابية.) ، والظّراب (والظراب: واحدها ظرب، وهي الروابي الصغار.) ، وبطون الأودية، ومنابت الشّجر» فانقلعت (ولفظ البخاري: فأقلعت، وهو لغة القرآن، أي أمسكت السحابة الماطرة عن المدينة الطاهرة، وفي نسخة النووي: فانقطعت.) ، وخرجنا نمشي في الشّمس، قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرّجل الأوّل؟ قال: لا أدري)
5- ابتهاله صلى الله عليه وسلم عند خسوف الشمس .
عن عائشة زوج النّبي صلّى الله عليه وسلّم قالت:خسفت الشّمس في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فخرج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المسجد. فقام وكبّر وصُفّ النّاس وراءه، (وصفّ الناس: بالبناء للمجهول ورفع الناس أي صاروا صفّا ويجوز فيها البناء للمعلوم، والناس بالنصب مفعول به والفاعل محذوف والمراد به النبي صلّى الله عليه وسلّم قاله ابن حجر في الفتح.) فاقترأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قراءة طويلة، ثمّ كبّر فركع ركوعا طويلا، ثمّ رفع رأسه فقال: «سمع الله لمن حمده، ربّنا! ولك الحمد» ثمّ قام فاقترأ قراءة طويلة، هي أدنى من القراءة الأولى، ثمّ كبّر فركع ركوعا طويلا، هو أدنى من الرّكوع الأوّل، ثمّ قال: «سمع الله لمن حمده، ربّنا! ولك الحمد» ، ثمّ سجد (ولم يذكر أبو الطّاهر: ثمّ سجد) ثمّ فعل في الّركعة الأخرى مثل ذلك. حتّى استكمل أربع ركعات، وأربع سجدات، وانجلت الشّمس، قبل أن ينصرف، ثمّ قام فخطب النّاس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال!: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصّلاة» …
6- ابتهاله صلى الله عليه وسلم في المعارك الحربية .
الابتهال مجلبة لنصر الله ووسيلة لدحر العدوّ.ويرفع الرّوح المعنويّة للمقاتلين خاصّة إذا كان القائد المبتهل قريبا من الله وواثقا من نصره.
عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: حدّثني عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- قال: لمّا كان يوم بدر (يوم بدر: بدر موضع الغزوة العظمى المشهورة، وهو ماء معروف وقرية عامرة على نحو أربع مراحل من المدينة ، قال ابن قتيبة: بدر بئر كانت لرجل يسمى بدرا، فسميت باسمه، وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة.) ، نظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم القبلة، ثمّ مدّ يديه فجعل يهتف بربّه (أي يصيح ويستغيث بالله بالدعاء ) : «اللهمّ! أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ! آت ما وعدتني. اللهمّ! إن تهلك»
هذه العصابة (الجماعة) من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربّه، مادّا يديه، مستقبل القبلة، حتّى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثمّ التزمه من ورائه، وقال: يا نبيّ الله! كذاك أو كفاك مناشدتك ربّك(مناشدتك ربك: المناشدة السؤال، مأخوذة من النشيد وهو رفع الصوت)، فإنّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عزّ وجلّ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ « أي معينكم، من الإمداد » بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ « أي متتابعين.» (الأنفال/ 9) . فأمدّه الله بالملائكة)
4- ابتهاله صلى الله عليه وسلم في المناظرات والمحاججات .
عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّ وفد نجران من النّصارى قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم السّيّد،- وهو الكبير-، والعاقب- وهو الّذي يكون بعده، وصاحب رأيهم- فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لهما: أسلما. قالا: أسلمنا، قال: «ما أسلمتما. قالا: بلى. قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما يمنعكم من الإسلام ثلاث فيكما:
عبادتكما الصّليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أنّ لله ولدا. ونزل{ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ..} (الآية) . فلمّا قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول: ونزل{ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ }يقول: من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من العلم من القرآن{ فَقُلْ تَعالَوْا }إلى قوله{ ثُمَّ نَبْتَهِلْ } يقول: نجتهد في الدّعاء أنّ الّذي جاء به محمّد هو الحقّ، وأنّ الّذي يقولون هو الباطل، فقال لهم: «إنّ الله قد أمرنا إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم» فقالوا: يا أبا القاسم! بل نرجع فننظر في أمرنا، ثمّ نأتيك فخلا بعضهم ببعض، وتصادقوا فيما بينهم، قال السّيّد للعاقب: قد والله علمتم أنّ الرّجل نبيّ مرسل، ولئن لا عنتموه إنّه ليستأصلكم، وما لا عن قوم قطّ نبيّا فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم فإن أنتم لم تتّبعوه وأبيتم إلّا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم، وقد كان رسول الله خرج ومعه عليّ، والحسن، والحسين، وفاطمة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن أنا دعوت فأمّنوا أنتم. فأبوا أن يلاعنوه، وصالحوه على الجزية)
عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما-:«أنّ ثمانية من أساقف العرب من أهل نجران قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منهم العاقب، والسّيّد، فأنزل الله: {فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا إلى قوله: ثُمَّ نَبْتَهِلْ} يريد ندع الله باللّعنة على الكاذب. فقالوا: أخّرنا ثلاثة أيّام، فذهبوا إلى بني قريظة، والنّضير، وبني قينقاع، فاستشاروهم. فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وهو النّبيّ الّذي نجده في التّوراة فصالحوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على ألف حلّة في صفر وألف في رجب، ودراهم)
5- ابتهاله صلى الله عليه وسلم محبة وخوفا على أمته .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تلا قول الله عزّ وجلّ- في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي }(إبراهيم/ 36) ، وقال عيسى عليه السّلام:{ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (المائدة/ 118) ، فرفع يديه وقال: «اللهمّ! أمّتي أمّتي» وبكى، فقال الله عزّ وجلّ: «يا جبريل! اذهب إلى محمّد- وربّك أعلم- فسله ما يبكيك؟» فأتاه جبريل عليه الصّلاة والسّلام فسأله. فأخبره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بما قال. وهو أعلم، فقال الله: «يا جبريل، اذهب إلى محمّد فقل: «إنّا سنرضيك في أمّتك ولا نسوءك»

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله